ابن عرفة
148
تفسير ابن عرفة
قوله تعالى : نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً . الزمخشري : أي تذكركم بنار الآخرة لتعتبروا ، انتهى ، إنما المراد أنها تذكركم بوجود الصانع لها ووحدانيته ، واتصافه بصفات الكمال ، لكونها أخرجها من الشجر الأخضر ، وأنها لا تحرق الطبع ، ولو كانت كذلك لما فارقها الإحراق ، ويبعد لما قال الزمخشري : ومثله لابن عطية ، لأن الدار الآخرة إنما علمناها ، وعلمنا نارها ، وعذابها سمعا لا عقلا ، [ 74 / 364 ] فعبر بالاسم لملازمتهم للمداهنة ، ثم قال وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ، فعبر بالفعل لتحدد الرزق ، وتكرره واختلاف أنواعه . قوله تعالى : الْحُلْقُومَ . ابن عطية : الحلقوم مجرى الطعام ، وعند الفقهاء : مجرى النفس فقط ، وهي الكرجومة ، ومجرى الطعام هو البلعوم ، وهو أبو حشيشة ، ويسمونه المريء . قوله تعالى : وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ . قيل : أي لا تبصروننا ، وقيل : لا تبصرون ملائكتنا ، قال السلمي في التذكرة : هذه الآية تبطل مذهب المجسمة لا تأخذ أشخاصا متعددين يموتون في مواضع شتى متباعدة في زمن واحد ، فلو كان اللّه تعالى جسما ، للزم عليه حلول الواحد في الزمن الواحد في أماكن متعددة ، انتهى ، ويجاب بلزوم مثله في ملك الموت ، لأنه جسم ، وهو الذي يتولى قبض الأرواح كلها ، والدنيا بين يديه كالطبق بين يدي من يأكل منه . قوله تعالى : مَدِينِينَ . أي غير مملوكين ، ولا مقهورين . قوله تعالى : وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ . عبر عنهم بوصفهم ، وقال قبلها فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ، فعبر عن الفريقين بحكمهم ، فهلا قيل هنا : وأما إن كان من أصحاب الشمال ، أو نحوه ، والجواب : أنه عبر عن الأولين بحكمهم ، لأنه لو عبر عنهم بوصفهم لا وهم إن ما رتب على ذلك من الثواب جزاء عما اتصفوا به من الطاعة ، ومذهبنا أن الثواب على الأعمال محض تفضيل من اللّه تعالى ، وعبر عن هؤلاء بوصفهم إشارة إلى أن تعذيب العاصي عدل ، وجزاء عن عمله ، فإن قلت : لم قدم التكذيب على الضلال ، وقال في أول السورة ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ [ سورة الواقعة : 50 ] ، فقدم الضلال ؟ فالجواب : أن الضلال أعم من التكذيب ، فيصدق على الضلال عن نفس الحق وعن الضلال عن طرقه ودلائله فبدأ هناك بالأعم